نبحث عن الحقيقة في مشهد سياسي ملتبس

رأس المنصور…. مشكلة سياسية أم خرافة دينية
9-يونيو-2021
عز الدين البغدادي
رغم اني اعتقد أن الجدل الذي أثير حول وجود تمثال يمثل الخليفة العباسي أبي جعفر عبدالله بن محمد بن علي المعروف بالمنصور هو جدل اعلامي سياسي، لكن لا بأس أن نقف عند بعض النقاط التي تتعلق بالموضوع:
اولا: الجدل المثار الآن هو جدل اعلامي فقط، والهدف مه اثارة الجانب الطائفي من قبل جهات طائفية فاشلة سياسية تريد استثمار بعض القضايا التاريخية لارباك الوضع لصالحها فقط.
ثانيا: عندما نتعامل مع الشخصيات الكبيرة المؤثرة فإننا نتعامل معها تعاملا حضاريا، أي من خلال ما قدمته حضاريا وليس من خلال رؤيتها الدينية، لذا ننظر باعجاب الى سرجون الاكدي كرمز كبير وحد العراق، وحمورابي باعتبار منظومته التشريعية، ونبوخذ نصر باعتبار آثاره وفتوحاته، وامرئ القيس والمتنبي وابي نؤاس، ننظر باعتزاز الى سعد الوتري كطبيب متميز ومحمد باقر الصدر كفيسلوف وانسان وعلي كاظم كرياضي كبير وزها حديد كمعمارية متميزة ويوسف العاني كممثل رائع جدا وجواد سليم كفنان كبير، ونفس الشيء ينطبق على كثير من الشخصيات العامة ولها سلبياتها بالتاكيد.
ثالثا: التعامل مع التاريخ كحاضر امر خطير يعكس اختلالا عقليا وليس فكريا، وهو ما يذكرنا بمحاكمة هشام بن عبد الملك قبل سنوات في محكمة الكوفة في مسرحية هزيلة مخزية في وقت يتلاعب فيه الفاسدون بمليارات الدولارات دون ان يجدوا من يقف في وجوههم.
رابعا: سبق وان تحدثنا عن حديث "ما منا الا مقتول او مسموم" وبينا ضعفه، وان الأئمة (ع) فيهم من قتل مسموما ومنهم من قتل بالسيف ومنهم من مات موتا طبيعيا وقد بينا ذلك في كتاب "منهاج الكرامة في معرفة الامامة" ولا دليل معتبر تاريخيا على ان وفاة الامام الصادق (ع) كانت اغتيالا من قبل المنصور العباسي.
وقد ترجم المفيد للامام الصادق (ع) فقال: ".... ودفن بالبقيع مع ابيه وجده وعمه الحسن عليهم السلام" ولم يذكر شيئا عن كونه قتل مسموما، رغم ان هذا الكتاب هو من اهم ما كتب في تراجم الائمة (ع).
وفي الكافي في باب " باب مولد ابي عبدالله جعفر بن محمد عليه السلام " قال: ومضى (عليه السلام) في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة، وله خمس وستون سنةً، ودفن بالبقيع".
كما روى عن أبي بصير، قال: "قُبض أبو عبد الله جعفر بن محمد وهو ابن خمس وستين سنةً في عام ثمان وأربعين ومائة، وعاش بعد أبي جعفر (عليه السلام) أربعاً وثلاثين سنةً.
ولم يذكر انه قتل او مات مسموما، نعم ذكر ابن طاووس في "مهج الدعوات" أن المنصور عزم على قتل الامام الصادق (ع) ورفض وساطة بعضهم في ذلك وقال: الملك عقيم، لكن الرواية تذكر ان المنصور استدعى الامام الصادق ودعا بسياف و قال له إذا أنا أحضرت أبا عبد الله و شغلته بالحديث و وضعت قلنسوتي فهو العلامة بيني و بينك فاضرب عنقه، الا ان القصة التي رواها تقول بأن المنصور سرعان ما غير موقفه عند دخول الامام بسبب الهيبة التي دخلت على قلبه منه.
كما ان ابا الفرج الاصبهاني وهو الذي تتبع مقاتل آل البيت (ع) لم يذكر في كتابه "مقاتل الطالبيين" شيئا عن تعرضه للقتل مسموما.
بل والأدهى من ذلك أن اليعقوبي وهو مؤرخ شيعي معروف، ذكر رواية عن إسماعيل بن علي: "دخلت على أبي جعفر المنصور وقد اخضلّت لحيته بالدموع وكأنه متأثر من مصيبة وألمّه أمر جلل" وقال لي: "أما علمت بما نزل بأهلنا؟" فقلت: "وما ذاك يا أمير المؤمنين؟!" قال: "فأن سيّدنا وعالمنا وبقية الأخيار منا توفي!!" فقلت: "ومن هو يا أمير المؤمنين؟" قال: "ابن عمنا جعفر بن محمد" قلت: "أعظم الله أجر أمير المؤمنين! وأطال بقاءه" فقال: "إن جعفراً ممن قال الله فيهم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، وكان هو من السابقين في الخيرات.
بأي حال وبغض النظر عن صحة رواية اليعقوبي، فإنه لم يأت في مصدر معتبر ناهض ما يدل على انه المنصور هو من قتل الامام الصادق (ع)، فتأمل قيمة كثير من افكارنا الدينية التي ندافع عنها ونحب عليها ونبغض عليها….. والله المستعان
Powered by weebtech Design by urnewsagency.com
Design by urnewsagency.com
Powered by weebtech