نبحث عن الحقيقة في مشهد سياسي ملتبس

صديقي علي بن أبي طالب
4-مايو-2021
محمد السيد محسن
قال الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران : الصداقة شيء ما بين اثنين، وما بيني وبين علي بن ابي طالب شيء لا يستطيع ان يفك طلاسمه الاخرون.. من شدة حبي لعلي بن ابي طالب أسميت ابني بإسمه ، ودعوت ربي ان يكون له نصيب من صاحب الإسم.
علي بن ابي طالب كان وما زال صديقي الذي اتحدث اليه خلسة حين تضيق بي الدنيا ، انتخبته رغم انه غادر هذه الحياة منذ زمن سحيق ، لكني اخترت فيه التأريخ الناصع ، وفشلت في دفاعي عن سيرته لأني لم اجد من يحصي عليه أي خطأ لحد الان.
حين كنت في دمشق تعرفت على عبد الرحمن منيف وكانت كنيته "أبو علي" . ودار حوار بيني وبينه علن علي بن ابي طالب ، ثم أهداني رواية "سدهارتا" ..لكاتبها "هرمان هيسه " وقال لي : اذا ممكن تقرأ الرسالة وفي لقائنا التالي نجري نقاشاً عنها ، واتذكر اني التهمت الرواية واكملتها في ليلة واحدة وعدت له في اليوم التالي وانا أعيش نقاشنا عن علي بن ابي طالب ورواية سدهارتا .فقال لي هل وجدت علياً في الرواية ، وكان يقصد الشخصية المستبطنة لمثيل علي ، فاجبت في الحال : نعم غوفندا!
ضحك أبو علي وقال انتهى النقاش .
هو كذلك ابن ابي طالب لا يذكره التاريخ الا في صفحاته الناصعة ، حيث بات اسمه قرينة للحب والإخلاص والبطولة والحكمة والتفاني والزهد والعدالة ، وقلما تجد هذه الصفات مجتمعة في شخص واحد على مر التاريخ
رجل يتفاخر المتناقضون في الارتقاء به ، ويسعى الحكام جميعاً في عالمنا العربي والإسلامي بالتقرب منه ، ويحبه مسيحيو الشرق ويعشقه الصابئة ويحترمه اليهود.
ولأنه بهذه الصفات ، فان ذكره بات افضل وسيلة لاستدراج محبيه ، الامر الذي استغله المتصيدون بعقول الموالين ، وما زال يعاني من تشبث الظالمين به ، ويضيق ذرعاً بكل الذين ينتحلون صفة حبه كي يستميلوا الاخرين ويجعلوا منهم مطية ومدافعين عنهم دون وعي وكأنهم جند مبرمجون يتحركون بدون ادراك للخطأ او الخطيئة.
علي بن ابي طالب اليوم بات وسيلة للفاسدين كي يمارسوا غيّهم وفسادهم ، وبات مبررا لاخطاء أصحاب القرار ، فهم يزعمون بالتقرب منه والدفاع عنه على المنابر بيد انهم لا يحترمون سيرته ولا يتقربون الى عدله وانصافه وزهده وجلّ صفاته التي من المفترض ان يتأسوا بها .
حين استمع الى بعض رجال السياسة ورجال الدين وهم يتحدثون عن ابي بن ابي طالب احس بالحرج التاريخي الذي يدفعني لعدم احترامهم ، ولكنها سيرة سياسية في العراق ، بات ابي بن ابي طالب اسّها الأعلى ، بيد انه لو خرج اليوم علينا ، لفقأ أعين الذين يوهمون الاخرين بالدفاع عنه والتأسّي "زوراً" بسيرته والدفاع عن حقّه.
لقد سبق مظفر النواب الجميع حين أشار الى هذه الظاهرة التي استفحلت في عراق ما بعد الاحتلال عام 2003 ، حيث كتب في مقدمة قصيدته المطوّلة "وتريات ليلية" عام 1969 فقال:
انبيك علياً .. مازلنا نتوضأ بالذل ونمسح بالخرقة حدَّ السيف ..ما زلنا نتحجج بالبرد وحرّ الصيف ..لو جئت اليوم لحاربك الداعون اليك وسموك شيوعيّا .
ان ظاهرة التشبث بسيرة علي بن ابي طالب من قبل الحكام ومحاولتهم الانتساب اليه والى مناقبه جديرة بدراسة تخلص الى طبيعة الفرد الديني في بلداننا ، وطبيعة التخطيط من قبل الحكام للسيطرة على ادمغة الشعوب وحرف مسار معارضتهم ، وضمان ولائهم ، لأن هذه الظاهرة اذا كانت مستمرة منذ قرون فانها استفحلت مع تكدس المتدينين السياسيين في العراق واشتباك العمامة الدينية مع كرسي الحكم في الآونة الأخيرة .

Powered by weebtech Design by urnewsagency.com
Design by urnewsagency.com
Powered by weebtech