نبحث عن الحقيقة في مشهد سياسي ملتبس

عراقيو الخارج والداخل
4-مايو-2021

د. محمد القريشي
لا اتفق حول الفرق الكبير بين عراقيي الداخل والخارج لان الصفات الشخصية المكتسبة عن طريق البيئة والجغرافيا، تحصل وتترسخ عندما تثبت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عبر حقب مختلفة لتنعكس بصورة ثبات نسبي في الصفات السيكولوجية للشخصية ..السنوات القليلة التي يمضيها الفرد في هجرته ( خصوصا اذا هاجر بعد عشرينيات عمره ) لا تكفي لاكتساب صفات البيئة الجديدة بشكل كامل.. التوصيف الجغرافي ( الداخل والخارج ) ، يصح فقط على الجيل الثاني او الثالث من العراقيين الذي ولد في المهاجر وصقل عن طريق البيئات الجديدة شخصيته..
هناك بطئ شديد او عدم توافق وتطابق دينامي بين الطفرات الحاصلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية للبيئة المحيطة بالفرد وبين منظومة القيم والصفات الشخصية، كما ان العقد النفسية والسلوكية لفترة ما قبل الهجرة تبقى ملازمة للفرد في مسيرة حياته اثناء فترة الهجرة ، وقد تتعزز اكثر بسبب الظروف المأساوية التي رافقت او سبقت الهجرة.
كما ان حالة عدم الاستقرار التي يعيشها المجتمع العراقي منذ فترات طويلة، جعلت الفرد متوثبا لتغيير موقعه الجغرافي بهدف تحقيق السلامة التي تختل بسبب التهديدات المستديمة. ولهذا يتطلع قسم من المتصدين من عراقيي الداخل الى تأمين وجود له خارج الوطن، اثناء عمله في الداخل.
وبهذه الصورة، يضع عراقي الداخل قدماً في وطنه، وقدماً خارجه، من اجل السلامة، ويضع عراقي الخارج بعد ان تأكد من سلامته، قدماً في بلد هجرته ، وقدماً في بلده الاول من اجل تحقيق الذات، واكمال ما لم يستطع اكماله قبل الهجرة، مع طيف واسع من حسن النوايا الابتدائية بالعمل والبناء..
قسم كبير من عراقيي الخارج يعتقد بان اكتسابه مهارات جديدة ، قد اهله لاحتلال مناصب قيادية في مجتمعه، وهو اعتقاد خاطىء لان المسؤولية القيادية هي (حزمة متكاملة من المهارات والسلوكيات المميزة والرصانة الاخلاقية) التي تدفع نحو تقديم قيمة مضافة للمؤسسة ( او للمجتمع ).
والرصانة الاخلاقية، هنا لا تعني اخلاق الفرد التقليدية مثل الاخلاق والتواضع والكرم وغيرها من صفات تتواجد لدى الكثير من البشر ولكنها حالة من التسامي على الذاتية والانصهار في الهدف العام واستحضار دائم لجميع اسباب تخلف المجتمع وآمال الشرائح المتضررة من سوء الادارة وانعدام العدالة... وهي حالة (قيادية بامتياز) ، تشبه الحالة التي تفرق بين رجل الدولة ورجل السياسة، حين يفكر الاول( بالاجيال القادمة) ويفكر الثاني (بالانتخابات القادمة) .
اختلال الرصانة الاخلاقية، هو (امتحان كبير) يتعرض له الجميع "داخل وخارج " عندما تضعف الضوابط الاخلاقية والقانونية في الدول الهشة ( على سياق المال السائب يعلم على السرقة)، وهو ذات الامتحان الذي يتعرض له قسم من المنظمات الدولية والشركات الاجنبية عندما تعمل خارج فضاءاتها المنضبطة اخلاقيا وقانونياً..
وفي مجال الخلل الاخلاقي الذي يقود الى فساد الافراد خارج بيئاتهم المنضبطة، يمكننا الحديث -على سبيل المثال - عن حالات سفر القسم الكبير من موفدي المنظمات الدولية لمساعدة الضحايا الذين يموتون من الجوع، أو من نزيف الدم أثناء الحروب، أو من التشرد نتيجة الكوارث الطبيعية؛ على فئة الدرجة الأولى على الأقل، إن لم يكن في درجة الأعمال، وسكنهم في فنادق خمس نجوم أو في فلل فخمة تستأجرها المنظمات بأسعار مضاعفة عن سعرها الطبيعي! ( وهناك امثلة كثيرة عن سرقات مالية واغتصاب وغير ذلك ).
ولهذا ، تظهر التوصيفات الثنائية، سطحية ومتسرعة وظالمة لاسباب تخلف البناء المادي والاخلاقي للوطن.

Powered by weebtech Design by urnewsagency.com
Design by urnewsagency.com
Powered by weebtech