نبحث عن الحقيقة في مشهد سياسي ملتبس

لاترفعوا توقعاتكم:هذه نسب المشاركة المتوقعة بالانتخابات
7-أكتوبر-2021
منقذ داغر
ليس صعباً التنبؤ بأن حصول تغيير حقيقي في خريطة القوى السياسية في العراق نتيجة الانتخابات (المبكرة) القادمة يعتمد الى حد كبير على نسبة المشاركة المتوقعة. فلأن جمهور الاحزاب الحالية زائداً مناصريهم وبحسب كل الاستطلاعات التي اجراها فريق ابحاث المجموعة المستقلة وكالوب الدولية طوال السنوات المنصرمة كان يتراوح بين 10-15% من اجمالي العراقيين الذين هم اكثر من 18 سنة عمراً،ولأن معظم الناخبين المؤهلين هم من الرافضين للاحزاب السياسية عموما فضلاً عن الفشل في تشكيل احزاب قوية منافسة لديناصورات العملية السياسية، ولكون معظم العراقيين ايضاً (حوالي الثلثين حسب آخر استطلاع) باتوا مقتنعين(للاسف) ان التغيير الحقيقي يجري من خلال الشارع لا صندوق الانتخابات، فليس من المتوقع ان يحصل التغيير السياسي المنشود الا اذا حصلت متغيرات ميدانية ترفع نسبة المشاركة الى مافوق ال 50% وفقا لاكثر من دراسة تم اجرائها في هذا الصدد.
ولأن كل المعنيين بالشأن السياسي العراقي من قوى محلية او اقليمية او دولية تعي ذلك تماماً،فقد كان هناك سباق خفي بين من يريد الابقاء على معدل المشاركة الواطىء،وبين من يريد رفع تلك النسبة. والمفارقة ان كل من الذين دافعوا او عارضوا الدعوة للانتخابات المبكرة عندما اندلعت انتفاضة تشرين هم متفقين الان على الرغبة في انخفاض مستوى المشاركة. فاحزاب السلطة تدرك ان المحافظة على مستوى مشاركة بحدود او اقل من 25% لن يحافظ فقط على المشهد الحالي بل سيزيد من حظوظ الاحزاب ذات القاعدة الصلبة. أما قوى تشرين ومؤيديهم فأن غالبيتهم يرون في تدني نسبة المشاركة تعزيزاً لسرديتهم المبنية على التغيير الشامل من خلال الشارع. أما القوى السياسية المعتدلة،فضلاً عن الامم المتحدة والمجتمع الدولي فهم يرغبون في زيادة نسبة المشاركة لكي يحصل بعض التغيير وبالتالي تجنب السيناريو الاسوأ المتوقع مابعد الانتخابات.لذلك لجأت هذه القوى للاستنجاد بمرجعية النجف وحثها للتدخل لحث الناخبين(بخاصة في المناطق الجنوبية التي كان يتوقع تدني مستوى المشاركة فيها بشدة) لكي يصوتوا. وفعلا استجابت المرجعية وأصدرت بيانها المعروف في 29 أيلول ،كونها هي ايضاً لا ترغب بالسيناريو الاسوأ الذي يمكن ان ينجم عن تدني مستوى المشاركة. لكن هذا البيان ورغم اهميته ودلالته الكبرى جاء متأخرا بعض الشيء لان الناخبين المؤهلين كانوا بحاجة هذه المرة لبعض الوقت(لوجستياً) للذهاب لاستلام بطاقاتهم الانتخابية التي لا يمكنهم التصويت دونها،ولأن حملات المقاطعة والاحباط الشديدين قد حفرت عميقاً في وجدان المقاطعين. وفي مسعى آخر لرفع معدل المشاركة قامت المفوضية العليا للانتخابات باجرائين اولهما منح حافز مادي بسيط لمن يستلم بطاقته الانتخابية والثاني(وهو شكلي واعلامي اكثر منه حقيقي) يتمثل باحتساب نسبة المشاركة لا على اساس من يحق لهم التصويت بل على اساس من استلم البطاقة البايومترية او لديه بطاقة انتخابية(تسمى قصيرة المدى). مع ذلك فان هناك الان حوالي 5 مليون عراقي مؤهل للتصويت ليست لديهم اي وثيقة انتخابية وبالتالي لن يمكنهم التصويت،كما ان هناك حوالي نفس العدد ممن يمتلكون بطاقات قصيرة المدى لكن يمكن افتراض ان قسماً كبيراً منهم سيعزفوا عن الذهاب لان هناك اجراءات معقدة نسبيا داخل مراكز الاقتراع يجب اتباعها قبل ان يسمح لهم بالتصويت.وهاتين الفئتين في معظمهم من الناقمين على الاحزاب الحالية والراغبين في التغيير! بمعنى ان قوى التغيير عبر صناديق الانتخاب خسرت مقدما بحدود 5-10 مليون من انصارها،وهذا بالمقابل ربح للقوى السياسية الحالية.
وفي دراسة اجريتها مع فريق ابحاث المجموعة المستقلة وكالوب الدولية لقياس مدى تأثير دعوة المرجعية من جهة والاجراءات الاخيرة للمفوضية المستقلة للانتخابات على زيادة معدلات المشاركة في الانتخابات القادمة،تبين ان هناك زيادة متوقعة فعلاً تصل الى 10-15% في المجمل. هذه الزيادة ستجعل الاقبال في المناطق الشيعية يقترب او حتى يزيد عن المتوقع في المناطق السنية ليتنافس الشيعة مع السنة على المرتبة الثانية من حيث معدل التصويت بعد الكرد. مع ذلك فأن هذه الزيادة المتوقعة تعاني من مشكلتين حقيقية تمنع قدرتها على احداث التغيير المنشود عبر صندوق الاقتراع. فحتى مع هذه الزيادة سيكون من الصعب بلوغ حاجز ال 40% مما يقلل كثيرا من احتمالات حدوث تغيير جدي في الخارطة السياسية المقبلة. ومن جانب آخر فأن معظم هذه الزيادة المتوقعة(10-15%) لن تتأتَ من مشاركة كبيرة من الناخبين المترددين swing voters أو الراغبين بالتغيير،بل ستتأتى من الرفع (الوهمي) لنسبة المشاركة نتيجة قرار المفوضية بتخفيض مقام كسر المشاركة turnout ليصبح 20 مليون تقريبا(من لديهم بطاقات انتخابية بنوعيها) بدلاً من 25 مليوناً وهم العراقيين الذين بلغوا اكثر من 18 سنة عمراً ! بمعنى ان نسبة الزيادة(الوهمية) هي ليست نتاج حج ملايين جديدة من الناخبين للصناديق لاحداث التغييروانما نتيجة عملية حسايبة اعلامية.
الخلاصة فان التغيير المأمول عبر صناديق هذه الانتخابات سيكون صعباً جداً وهذا يقودني لذات الاستنتاج الذي رددته أكثر من مرة وعبر اكثر من مقال وحديث: مالم تكن القوى الفائزة في الانتخابات المقبلة قادرة على ادراك ان فوزها لم يتأتَ بسبب أرادة العراقيين،بل بسبب النظام السياسي والانتخابي الذي تهيمن عليه هي،وأن عليها تقديم تنازلات حقيقية للشارع لكي تتحصل على مشروعية شعبية وليس انتخابية فحسب فأن الانفجار او الانسداد (على اقل تقدير) سيكون هو ما ينتظر العراق بعد أشهر قليلة.
Powered by weebtech Design by urnewsagency.com
Design by urnewsagency.com
Powered by weebtech