نبحث عن الحقيقة في مشهد سياسي ملتبس

لا شماتة في الحروب.. وجهة نظر إنسانية حول الغزو الروسي لأوكرانيا
4-مارس-2022
د. فراس مصطفى
لا يختلف اثنان في هذا العالم بأن الحرب هي أسوأ الخيارات لحل الخلافات بين الدول لما تخلفه من مآسي و جروح نفسية أليمة لا تندمل مهما عفا عليها الزمن, تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل, و أنه لا منتصر في الحرب, فالكل خاسر بما فيهم من يدعي تحقيق النصر, فالنتائج وخيمة على أطراف الحرب مهما حققوا من انتصارات مزعومة على الأرض لأن الحرب ببساطة لا تخلف سوى الموت والفقر والجهل والتفكك الأسري وتترك خلفها ملايين الأيتام والأرامل والمعاقين والمشردين الذين يعانون حياة بائسة ملؤها الحرمان و العقد النفسية, وما حل بالعراق نتيجة الحروب خير مثال على ذلك.
منذ أيام والعالم برمته منشغل بالغزو الروسي لأوكرانيا فاشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي وانشغلت وسائل الإعلام بتغطية ما يجرى في أوكرانيا لحظة بلحظة و نددت معظم دول العالم بتلك الحرب غير العادلة و غير المبررة وانتقدت بشدة القرار الأهوج وغير المسؤول الذي أتخذه الرئيس الروسي بوتين بغزو أوكرانيا ولم تختلف أراء الكثير من الروس حتى داخل روسيا عن أراء الآخرين بتهور رئيسهم في اتخاذ قرار الحرب ضد بلد امن بغض النظر عن الدوافع السياسية التي يتحجج بها.
الغريب في الأمر إن هناك الكثير من العراقيين قد أبدوا رأيا مؤيدا للغزو الروسي لأوكرانيا بل شمتوا بالأوكرانيين لأنهم ساهموا -على حد قولهم- باحتلال العراق و أرسلوا قوات عسكرية أوكرانية للمساهمة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في احتلال العراق عام 2003 وهم اليوم أي الأوكرانيين يحصدون ما زرعوا!! و رغم إن الإنسان حر فيما يرى و يفكر لكن المنطق السليم والعقل الواعي يقضيان بأن يكون النظر للأحداث المؤسفة لاسيما الحروب من منظار آخر وهو منظار الفصل بين الجانب الإنساني والجانب السياسي.
قبل ثلاثة عقود غزا صدام حسين الكويت, دخل بلدا أمنا ومن دون سابق إنذار و دمره بالكامل و لم يقتصر ذلك التدمير على الكويت إنما هدد استقرار المنطقة برمتها و كان العراق هو المتضرر الأكبر من ذلك الغزو بحيث لا يمكن مقارنة ما حصل له بعد حرب تحرير الكويت بما حصل للكويت نفسها, ففي الوقت الذي تم فيه تحرير الكويت و أعادة بنائها و إعادة الحياة فيها إلى سابق عهدها بل وأفضل تعرض العراق لتدمير شبه شامل لبناه التحتية أعقبه حصار مدمر لم يسبق له مثيل في التاريخ أتى على ما لم يتم تدميره في الحرب, حصار كلف شعبه ثمنا غاليا, الجوع والموت والهجرة وتدمير الاقتصاد و مازال شعبه يدفع الثمن حتى بعد سقوط الطاغية و ليومنا هذا, فالشعب العراقي من أكثر الشعوب المعاصرة التي عانت ما عانت من ويلات الحروب وعاشت مآسيها و ما زالت تعاني منذ عقود وسوف تستمر تلك المعاناة مع الأجيال اللاحقة التي ورثت و من دون ذنب واقعا مزريا و مستقبلا مظلما بسبب تلك الحروب القذرة و لم يحقق انتعاش الاقتصاد بعد سقوط الطاغية تغييرا في حياة العراقيين لأنهم خسروا ما لا يمكن شراؤه بالمال, خسروا التعليم و التربية والثقافة و الحب والعاطفة و الألفة الأسرية, وستبقى عقدة النقص ملازمة لهذا الشعب لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
لقد كان قرار غزو الكويت قرارا سياسيا وليس شعبيا, فلم يقم الشعب العراقي بغزو الكويت وتدميرها وتشريد شعبها إنما غزاها جيش منظم بقرار سياسي غير مدروس أتخذه طاغية متهور مهووس بالحروب, لكن ثمن ذلك التهور دفعه الشعب العراقي و لم يدفعه صدام حسين وكذلك لم يكن قرار مشاركة أوكرانيا في الحرب على العراق قرارا شعبيا أتخذه الشعب الأوكراني بمحض إرادته إنما اتخذته الحكومة و بمباركة البرلمان الأوكراني المنتخب الذي صوت بالإيجاب على قرار المشاركة في الحرب ضد العراق علما إن قرارات البرلمانات في كل دول العالم وليس في أوكرانيا فقط لا تمثل بالضرورة أراء الشعوب إنما غالبا ما تمثل رغبات سياسية بحتة تتخذها الكتل الفاعلة والأحزاب الكبرى المسيطرة على قرارات تلك البرلمانات.
يعاني الشعب الأوكراني اليوم من ويلات الحرب مثلما عانى الشعب الكويتي و الشعب العراقي وقبلهم عانت شعوبا كثيرة و خسرت استقرارها وأرواح أبنائها وأموالها وبلدانها و ذكرياتها الجميلة نتيجة لحماقات و تهور ساسة يعانون من أمراض نفسية يدفعهم داء العظمة و الهوس نحو الشهرة تدعمهم قوى رأسمالية شريرة و قذرة لا تهمها أرواح الناس بقدر ما يهمها جمع الأموال و حصد المناصب ولو بالقتل والدمار متناسية إنه لا قيمة لجمع الأموال أو كسب المناصب على حساب أرواح الملايين.
أوكرانيا تنزف دما و شعبها يعاني اليوم مثلما عانى شعب الكويت بالأمس والشعب الروسي هو الآخر سوف يعاني من العقوبات التي استعد العالم لاتخاذها ضده بل إن العالم كله سوف يتأثر بنتائج هذه الحرب و لا حظنا سرعة انهيار أسواق المال العالمية و حجم التضخم الذي أعقب غزو أوكرانيا والذي سوف ينعكس على وضع العالم بأكمله, أما بوتين و بايدن و زيلينسكي و شولتس و جونسون وغيرهم فسوف لن يتأثروا بالحروب لأنهم دائما في مأمن و رخاء و سوف لن يقفوا في طوابير الذل للحصول على لقمة مهينة ولن يناموا دون فراش وغطاء في أقبية محطات المترو الباردة الرطبة و لن يهربوا في العراء دون سقف يحميهم من القصف المدمر بل سيبقون في قصورهم الفارهة وملاجئهم الآمنة.
ليعلم من يؤيد الحروب أنه لا نعمة أجمل من نعمة السلام و لا حياة أروع من الحياة دون حروب ولا عيش رغيد دون تمني الخير للغير و لا أسوأ من تمني الموت للآخرين والشماتة بوضعهم لأي سبب كان!!

Powered by weebtech Design by urnewsagency.com
Design by urnewsagency.com
Powered by weebtech