نبحث عن الحقيقة في مشهد سياسي ملتبس

للتاريخ فم ولكن أين هي فتحات التصريف
7-أكتوبر-2021
التاريخ كائن حي يأكل ويشرب وينام إلا تاريخنا فهو لا ينام أبدا. وهو مثل الكائن الحي له فم وفتحات تصريف
إلا تاريخنا .. فله فم فقط.
فقدانه فتحات التصريف جعل السموم تقضي على كليتيه مثلما أتلفت جهازه الهضمي، ولذلك فهو، كأي مخلوق حي، لم يعد قادراً على مقاومة المرض، لقد صار مصدراً للأوبئة، فإما أن يموت هو أو أن نموت نحن.
المعتزلة اكتشفوا غياب فتحات التصريف، أرادوا ان يصنعوا له فتحتين ولو صناعيتين حينما أكدوا على ضرورة أن يكون العقل قبل النقل وحاكماً عليه، لقد بادروا إلى وضع النقاط على الحروف حينما أكدوا على أن مشكلة التناقض في النص القرآني لا يمكن حلها إلا من خلال تأويل ذلك النص واعتباره حتى من الناحية التشريعية خاصّاً بزمانه ومكانه وقابلاً لأن يتجدد على ضوء المكان والزمان الجديد.
لقد كانت غايتهم خدمة النص القرآني لا الإنقلاب عليه، وذلك بجعله أكثر قدرة على التلاؤم مع مقتضيات التطور التاريخي.
السلفيون الأصوليون لم يعجبهم ذلك، وافقوا على حكاية العقل التي جاء بها المعتزلة ولكن على شرط أن يكون في خدمة النقل لا حاكماً عليه. وهكذا وجه هؤلاء السلفيون الضربة القاتلة لإمكانية تحريك النص بشكل يراعي عملية التطور وحاجات المعرفة الإنسانية و ألغوا تماما كل إمكانية لأن يقوم العقل بتفسير النص إلا بحدود حقه في أن يكون بخدمته حرفياً، كما أوجبوا ضرورة تحريكه باتجاه يمليه الشكل لا المضمون والظاهر لا الباطن والسطح لا العمق.
لقد ظلوا لزمن طويل يعارضون فكرة أن الأرض كروية بحجة أن القرآن اشار إلى انبساطها (والأرض مددناها وجعلنا فيها رواسي)، وهم بذلك كفّروا كل من يقول بكروية الأرض وكل من لا يعتبر الجبال قد خلقت لغاية تثبيت الأرض حتى لا تقع من مكانها في الكون. أما قوانين الجاذبية التي تحفظ للكون توازنه فتلك هرطقة وبدع يستحق القائلون بها الذبح على الطريقة الإسلامية مع التكبير.

وجاء المتوكل فأغلق حتى فتحتي التصريف الصناعيتين اللتين إخترعهما المعتزلة حينما أغلق باب الإجتهاد تماماً، وأبقى التاريخ محصوراً بالقرون الثلاثة الأولى بعد البعثة النبوية وذلك تحقيقا لحديث (خير القرون قرني والذي يليه والذي يليه)، أما بقية القرون التي تلت فأوجب أن تكون استنساخاً حرفياً لخير القرون، وبهذا يكون السلفيون الأصوليون أول من اخترع جهاز الاستنساخ في التاريخ.
كارثتنا الداعشية ليست جديدة، بل إنها من صميم تاريخنا المجيد وإمتداد لأسوأ ما فيه. قصة الجعد بن درهم ما زالت تتجدد كل يوم. هذا الرجل الذي دعا إلى تقديم العقل على النقل وحاول أن يجد طريقة لتصريف إنسداد التاريخ العربي عن طريق إيجاد حل لأزمة النقل مما أدى به إلى القول بخلق القرآن، الجعد هذا كان ذبحه خالد بن عبد الله القسري والي هشام بن عبدالملك على الكوفة في باكر عيد الأضحى أمام أنظار المصلين عقوبة له على محاولة إيجاد مكانة للعقل في تاريخ بدأ يتكلس تماماً. قصة الجعد بن درهم يعاد إنتاجها اليوم أينما حل السلفيون التكفيريون، بل إنني كلما سمعت بقصة ذبح جديدة يقوم بها التكفيريون كلما تذكرت قصة بن درهم ذاك وكيف نزل خالد القسري من منبره في أول يوم من عيد الأضحى ليذبحه بعد أن خاطب الناس (انصرفوا إلى منازلكم وضحوا -بارك الله لكم في ضحاياكم-، فإني مُضح اليوم بالجعد بن درهم. ونزل عن المنبر فذبحه بيده وأمر بصلبه.
غلاة الشيعة وبتأثير مضاف من الفكر الصفوي ألقوا القبض على التاريخ وجعلوه يبايع فترة استشهاد الحسين، واعتبروها، أنها هي التي تستحق أن تسمى تاريخاً، ثم إذا بهم ينتقلون تدريجياً إلى تلك الفترة ويأخذون معهم كل متاعهم، وحتى الجدار لم تعد تعلق عليه صور غير صور معركة الطف، وحتى أجهزة الآي فون والآيباد لم يعد يصدر منها سوى قصة المقتل والنوح على الإمام الشهيد.
لقد أخذ غلاة الشيعة وجهلتهم والضاحكون على عقولهم، أخذوا التاريخ إلى هناك، حيث معركة الطف، ثم صَفَّروا ما عداه.
داعش، السلفيون الأصوليون، غلاة الشيعة، هم جميعا تاريخ بلا فتحات تصريف.
Powered by weebtech Design by urnewsagency.com
Design by urnewsagency.com
Powered by weebtech