نبحث عن الحقيقة في مشهد سياسي ملتبس

من وحي شهريار وشهرزاد (36) الحتميات الثلاث وصدمة الإصلاح
21-نوفمبر-2021
عمار عبد الكريم البغدادي
شهرزاد : أظن أن الرابط المقدس بين الأم والأب من جهة والأولاد من جهة أخرى قد يكون سببا بنتاج شخصية ضعيفة تملؤها الهواجس والأحساس بفشل أو حادة المزاج ، أو بخيلة في عطائها، وغيرها من الصفات المذمومة ..ألا تتفق معي ؟ - لاتعدو أي طبيعة بشرية فينا أن تكون نتاج إحدى نظريات ثلاث اتفق عليها علماء النفس ، وعلى أختلاف المسميات فإنها باختصار شديد : - - الحتمية الوراثية : وهي الطبيعة المنتقلة عبر الجينات الوراثية من الأجداد الى الأباء ثم الأبناء ، ومثال حي عليها المزاج الحاد ،وقد انتقل الى الأبناء عبر الحامض النووي ، وحقا إن أحدنا غير مسؤول عن ذلك ابتداءً. - الحتمية النفسية : توجهاتنا وتركيبتنا الشخصية هي صنيعة آبائنا ، وما وصل إلينا منهم عبر إسلوب التربية والتجارب التي خضناها في طفولتنا،فشعورنا بالخوف، أو الإحباط ،أو الخجل من مواجهة الناس ،أو عدم القدرة على النجاح مرتبط بسلوكيات تربوية خاطئة ،أو مواقف صادمة زرعت فيها هذا الاحساس . - الحتمية البيئية : وظاهر من المسمى ،أن البيئة التي نشأنا فيها ،أو التي مازلنا نعيش فيها ، تحدد طباعنا وسلوكياتنا ، فالحالة الإقتصادية والسياسية والأمنية إضافة الى الثقافية لكل بلد لها أثر عظيم في تلك السلوكيات. لكن الأمر ياشهرزاد لا يخلو من مبدأ (الحافز والإستجابة) ،وهنا نتذكر دائما قصة الطبيب النفسي (فكتور فرانكل) ، الذي حارب أبشع وسائل التعذيب والتسلط والقهر النفسي في المعسكرات النازية الألمانية ،واستطاع وهو وحيد عارٍ في محبسه أن يكتشف ما سماه لاحقا بآخر الحريات البشرية، وأن يعيش عالمه الخاص حرا طليقا ، لدرجة أن سجّانيه كانوا يتعلمون منه معاني الحرية ، لم يكن يتمتع بالإختيارات لكنه كان يمتلك المزيد من معاني الحرية ، حيث أدرك أن الانسان يتمتع بحرية الإختيار بين الحافز والإستجابة . شهرزاد : أذكر أنني قلت لك في حينها : ومن منا يحمل هذه الصفات العظيمة كفكتور فرانكل لنقف بوجه أمواج عظيمة قد نتعرض لها في أي وقت؟ ولنفترض جدلا هنا أننا امتلكنا تلك الطاقة الإبداعية لفرانك ، ألا ترى أننا عاجزون عن مقارعة الجينات والأحماض النووية ؟ بل نحن عاجزون في طفولتنا عن مقاومة السلوكيات التي غُرست فينا . -حقا ياشهرزاد نحن غير قادرين على مقاومة الجينات ، أوالتصدي للأحماض النووية ،أو إرجاع الزمن لمنع تأثير السلوكيات التربوية الخاطئة لكننا قادرون على التحرر منها .. مالفرق بين إنسان ناضج وطفل صغير أنْ كان الاثنان يعيشان في قفص التصورات الذهنية القديمة ؟! ، وما قيمة أنْ نتعلم ونميز الصحيح من المعتل ، والقويم من المعوج ، والمنطق من الهراء، من غير أن تنصلح مفاهيمنا وسلوكياتنا ؟ . ولا أخفيك سرا بقولي : إن التحرر من الماضي بحاجة الى طاقة متدفقة من الأعماق ، وأجد محبة النفس وتقديرها وتوقير قدراتها منبعا لتلك الطاقة ، وقد يحتاج ألامر الى صدمة خارجية . مارأيك ياشهرزاد في أن نغوص بأعماق المتحدث ،ونلقي نظرة على مثل حي لذلك التحرر ؟. في العقد الثاني من عمري وكغيري من الشباب كنت أشعر بالحيوية والنشاط وأعتزاز سطحي بنفس مفعمة بالإنفعالات والقرارات العاطفية، وعلى مايبدو فإن الجينات الوراثية كانت في أوجّها ، بسبب وجيه أو بدونه أقف ،بين الحين والأخر ، في غرفة الجلوس حيث يتكئ أبي الى مقعد مريح ، وأبدأ بالهتاف وترتعد فرائصي وأشتاط غضبا ، ولا أكذب أنْ قلت إنَ صوتي العالي جدا كان يصنع موجات إرتدادية ، ويسمعه جارنا الثالث وربما الرابع ، هدوء أبي (رحمه الله) كان يحيرني ، لم يكن يعترض ، وهو يراقبني عن كثب في كل (ثورة يومية) ، لكنه كان يشجعني على المزيد من حيث يدري أو لا . ذات يوم أحسست بندم سريع ما أنْ غادرت المنزل الى حديقتنا الغناء،فعدت أدراجي لأعتذر بدون تردد ، نظرت عبر زجاج النافذة الى أبي وهو يقلب كفيه ويقول لأمي : سبحان الله كأنه أبي يقف أمامي .. لا تنزعجي سيعود للإعتذار بعد قليل كما يفعل دائما ، لقد أخذ هذه الصفات من جده فلا تلوميه !. أدركت حينها سر هدوء والدي أوربما استمتاعه بـ(الأنا الثائرة) على كل صغيرة وكبيرة ، لكنني وجدته في حينها عذرا منطقيا لهذا السلوك السيء . في العقد الثالث من عمري أكذب أيضا أن قلت :إن الحال كان يختلف كثيرا ، لكنني لم أعد أصرخ أمام أبي .. صار المتنفس أولادي ،لكن الحجة القديمة لم تعد مقنعة للجد الحنون ، وعلى غير عادته كان يصرخ بصوت عالٍ عبر النافذة ليبلغ صوته الرنان مسامعي في بيتي الصغير المجاور لغرفة نومه : ماهذه القسوة ؟ .. هل ربيتك على ذلك ؟ ! حقا هو لم يربِني على ذلك ، لكن سلطان الحامض النووي كان يتربع على عرش ذاتي ، والله لم يصرخ بوجهي في صباي ألا مرة واحدة ، وكنت مستحقا للتأنيب على ذنب أحمق ارتكبته في حينها، أمّا أنا فمازلتُ (جَدي) ، أصرخ بوجه أولادي الصغار ، وأسمع هاتفا يقول :ليس لك ذنب في ذلك . قبل أن أنهي عقدي الثلاثيني جاءت الصدمة لتحرك في داخلي معنى توقير النفس ومحبتها : قال لي الطبيب وهو أحد اصدقاء العقد الثاني : أهم مايمكن أن تفعله أن تجعل (داء السكر ) صديقا حميما لك، لا تغضبه بطعام كثير ولا تُثرْ حفيظته بشد عصبي . ذلك الصديق الثقيل الظل فرض علي احتراما لذاتي بطعامي وشرابي وسلوكي .. في حينها قررت أن اخلع (سدارة) جدي ، وان ألبس قبعة أبي الحانية .. لم يكن الأمر سهلا لكنه بالمران أصبح ممكننا، وكما يقول خبير التنمية البشرية جيم رون فأن ( التكرار أساس المهارات ) ،وها أنا اليوم وبشهادة المقربين لي أميل الى الهدوء حتى في أصعب الأوقات ، وما ثورة العدواني السادي الذي أتعبه سكوني عنّا ببعيدة . مقتبسات من مؤلفي : شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة للتواصل مع الكاتب : ammaralbaghdadi14@gmail.com
Powered by weebtech Design by urnewsagency.com
Design by urnewsagency.com
Powered by weebtech