نبحث عن الحقيقة في مشهد سياسي ملتبس

يخت الملكة عالية..درة البصرة الغالية
17-يوليو-2021
وعدتكم في الحلقة الماضية ان اتحدث بتفصيل اكثر عن المربع السياحي الذهبي الذي كان يحيط بجزيرة السندباد في المعقل،وسأبدأ بدرّته الغالية(يخت الثورة او عالية)،الذي كان يرسو في الزاوية الجنوبية الغربية للسندباد.لقد وجدتُ ان يوم 14 تموز هو افضل تاريخ لاكتب الحلقة التي كنت أخطط لها لجوهرة المعقل الكبرى ودرّته المنسية يخت الثورة(او الملكة عالية).هذا اليخت عاصر العهدين الملكي والجمهوري ومثل 14 تموز يوماً مفصلياً في حياته كحال كل العراقيين. سأروي لكم قصة هذا اليخت التي يختلط فيها الفرح والشجن بالحزن والالم،ويمتزج فيها الفخر والشمم بالعمى والصمم.انها قصة جزء مهم من تاريخ العراق وحاضره .
ان الحديث عن يخت الملكه عالية (الثورة)طويل وممتع ولا ينتهي لاني عشت تفاصيل معظم ايام طفولتي بين غرفة القيادة،والصالون الملكي وغرف النوم الملكية فيه.هذا اليخت(المتحف) الابيض اللون كان قبلةً لزوار البصرة بما فيهم رؤساء الدول والملوك. واذا كان البيت الابيض هو معلم واشنطن،فأن اليخت الابيض كان معلم الموانئ العراقية ومارگيل،بحيث لا تعد الرحلة الى المعقل مكتملة مالم تقترن بالتجول بين الغرف والقاعات الملكية ليخت الثورة.
قرأتُ روايتين عن اصل هذا اليخت الذي دخل العراق في عام تتويج الملك فيصل الثاني 1952. الاولى تقول انه هدية من بريطانيا الى الملك الشاب. اما الثانية-والتي ارجحها- فهي ان اصله كان سفينة حربية امريكية اشترتها الحكومة العراقية ثم قامت بتحويرها في بريطانيا لتكون يختاً ملكياً. شهد هذا اليخت الذي يصلح ان يكون متحفاً لتاريخ العراق الحديث الكثير من الاحداث وعاصر العهدين الملكي والجمهوري. ففي عام 1952 قام الملك فيصل الثاني باول زيارة للكويت على متن هذا اليخت ورافقه فيها الباشا نوري سعيد. كما شهد اليخت حفل خطوبة الملك فيصل عام 1957 على الاميرة التركية فاضلة محمد علي،عندما كان الملك يحضر قمة حلف بغداد ويقضي اجازة قصيرة في اسطنبول.وكانت تلك آخر رحلة لليخت في العهد الملكي حيث غادر ميناء المعقل قبل 3 اسابيع من اندلاع(الثورة) وكان راسياً على ضفاف البسفور في 14 تموز 1958. وعندما رفضت السلطات التركية مغادرة اليخت وعودته للبصرة بخاصة بعد ان غادره قبطانه البريطاني،قرر الطاقم العراقي لليخت بقيادة المهندس البحري صبري عريبي(صابئي) من العمارة، المجازفة بالتسلل باليخت ليلاً ومغادرة اسطنبول باتجاه البصرة مرورا ببورسعيد.
وبعد ان زار الزعيم عبد الكريم اليخت أمر بتغيير اسمه للثورة وجرى تجديده وجعله اشبه بفندق فخم عائم يستقبل كل الوفود المهمة ويصحبها في جولة رائعة عبر شط العرب مروراً بالمدن العربستانية (عبادان والمحمرة) وصولاً للفاو. ومن تلك الوفود التي حدثنا عنها كثيرا والدي رحمه الله وفد شعراء مهرجان المربد الشعري عام 1971 وفي مقدمتهم الجواهري ونزار قباني والبياتي كما زاره كثير من الرؤساء اذكر منهم القذافي. ولازالت اسرتي تحتفظ بصور والدي مع بعض هؤلاء الرؤساء. كما كان الرئيس الراحل البكر ونائبه يقضيان بعض العطل مع عوائلهم في اليخت بخاصة وقت الشتاء والربيع حيث يبيتون هناك ويقضون بعض الاماسي متنقلين بين جزيرة السندباد،ونادي البورت كلاب وفندق شط العرب القريبة جميعها من مرسى اليخت.
واذا كانت هناك ذكريات لا انساها فهي تلك المتعلقة بسفراتنا النهرية على متن اليخت الذي كانت تؤجره النقابات المهنية الكبرى في بغداد(الاطباء والمهندسين والمحامين..الخ) حيث تنظّم سفرات عائلية لمنتسبيها الى البصرة ويقومون بجولة نهرية على متن اليخت. وكان برنامج الجولة يتضمن اصطحاب فرقة غنائية (غالباً فرقة الهام المدفعي او عبد الحسن تعبان،او مجيد العلي)ومطربين مهمين مثل فؤاد سالم وفاضل عواد وسواهم .وكم كنت فرحاً وانا ارقب واسمع انبهار العوائل البغدادية لا بجمال شط العرب وضفافه فقط ولا بجمال الموسيقى والغناء ايضاً،ولا بلذة الطعام الذي يعده الشيف رمزي الذي كان احد طهاة الملك،بل ايضاً بفخامة الاثاث في غرف النوم والصالونات الملكية حيث شعار التاج الملكي منقوشاً على الاغطية والشراشف والتلفونات(ذات القرص)الثقيلة والمطلية بالذهب الخالص في كل غرفة،والخشب الصاج اللماع الرائع الذي يغلف القاعات والاثاث في مشهد من الفخامة والروعة قريب جداً من مشاهد الافلام الهوليودية المبهرة.وحين كان اليخت يصل امام عبادان،يلقي مرساته في شط العرب وتأتي الزوارق الايرانية مع ضباط الحدود الذين يختمون جوازات العوائل البغدادية الزائرة ثم يصحبونهم الى عبادان ليقضوا هناك بضع ساعات أراهم بعدها محملين بالسماورات الايرانية الرائعة،والسجاد الجميل،والساهون والفستق وسواها من البضائع الايرانية التقليدية. يقفل بعدها اليخت عائداً الى مرساه قرب جسر هيل الخشبي الرابط بين جزيرة السندباد ومطار وفندق شط العرب. ولا تختلف رحلة العودة من عبادان للمعقل عن رحلة الذهاب فالمدفعي وفرقته(المسماة 13 ونص)يتغزلون بنخيل شط العرب عبر فوگ النخل ورمان شهربان عبر چلچل عليّ الرمان،والعوائل تغني وترقص معه في منظر لا يضاهيه عندي اي منظر ما حييت. وتنتهي الرحلة حين اسمع والدي يصدر اوامره للعمال بانزال (الانگر) ومجيء الزوارق من (الاسكله) لتعود بالعوائل على متنها بعد ان قضوا نهارهم في سفرة من العمر.
لم يكن يخت الثورة معلماً بحرياً بصرياً فحسب،بل كان منصة سياحية اجتماعية سابقة لزمنها. وفي الوقت الذي باتت فيه دول العالم وشركاته السياحية تفخر برحلاتها البحرية الفخمة الان،كان يخت الثورة يقدم سياحة بحرية وتاريخية واجتماعية لا تضاهيها ارقى السياحات في العالم. وكم أحزنني ان اعلم ان (الثورة) البهي الرائع يشكو من الظلم والجحود بعد ان طالته يد الفساد والحواسم والاهمال،وان شط العرب الذي طالما حمله على ظهره بات مقبرةً له في منظرٍ محزنٍ باكٍ!! وكأن اليخت يرفض ان يغادر معشوقته(مياه الشط العرب) فاستقر فيها جثةً هامدةً . وحين سألتُ عن الكنوز الملكية التي كان يغص بها،لم يجبني أحد اين ذهبت!! ولا اعلم حقاً لماذا تهمل موانىء العراق ووزارتها هذه التحفة التاريخية المهمة وتتركها غارقة امام رصيف (الزيوت)! فأن كنتم غير قادرين على صيانته واعادته للحياة فانا واثق ان هناك كثير من المستثمرين البصريين الذين يعرفون قيمته ومستعدين لشراءه بحاله هذا ومن ثم تجديده وعرضه للناس. انه جزءٌ مهم من تاريخ وذاكرة البصرة والمعقل ،ولا ادري لماذا يهمل؟هل ان ذلك نتيجة مؤامرة صهيونية،أو أميركية،أو إيرانية،أو عراقية؟!! اترك الجواب لكم،لألتقي معكم في زاوية اخرى من ذكرياتي عن المعقل.

Powered by weebtech Design by urnewsagency.com
Design by urnewsagency.com
Powered by weebtech